الشنقيطي
136
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
فعبر المصنف بالمواضع لأنها أشمل ، والمعاطن أخص من المواضع ، لأن المعاطن مواضع إقامتها عند الماء خاصة . وقد ذهب بعضهم إلى أن النهي خاص بالمعاطن دون غيرها من الأماكن التي تكون فيها الإبل . وقيل مأواها مطلقا ، نقله صاحب المغني عن أحمد - اه كلام ابن حجر . وقال ابن حزم : إن أحاديث النهي عن الصلاة في أعطان الإبل متواترة بنقل تواتر يوجب العلم . فإذا علمت ذلك فاعلم أن العلماء اختلفوا في صحة الصلاة في أعطان الإبل . فذهبت جماعة من أهل العلم إلى أنها لا تصح فيها ، وهو الصحيح من مذهب الإمام أحمد وعليه جل أصحابه . قال صاحب ( الإنصاف ) : هذا المذهب وعليه الأصحاب . وفي الفروع هو أشهر وأصح في المذهب . وقال المصنف وغيره : هذا ظاهر المذهب وهو من المفردات . وممن قال بهذا القول ( ابن حزم ) . وذهب جمهور أهل العلم إلى أن النهي للكراهة ، وأنه لو صلى فيها لصحت صلاته . وقد قدمنا كلام أهل الأصول في مثل هذه المسألة . واعلم أن العلماء اختلفوا في علة النهي عن الصلاة في أعطان الإبل . فقيل : لأنها خلقت من الشياطين كما تقدم في الحديث عن النبي صلى اللّه عليه وسلم . وهذا هو الصحيح في التعليل ، لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها خلقت من الشياطين » « 1 » وترتيبه كونها خلقت من الشياطين بالفاء على النهي ، يدل على أنه هو علته كما تقرر في مبحث مسلك النص ، ومسلك الإيماء ، والتنبيه . وقال جماعة من أهل العلم : معنى كونها « خلقت من الشياطين » أنها ربما نفرت وهو في الصلاة فتؤدي إلى قطع صلاته ، أو أذاه ، أو تشويش خاطره . وقد قدمنا أن كل عات متمرد تسميه العرب شيطانا . والإبل إذا نفرت فهي عاتية متمردة ، فتسميتها باسم الشياطين مطابق للغة العرب . والعرب تقول : خلق من كذا للمبالغة ، كما يقولون : خلق هذا من الكرم ، ومنه قوله خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ [ الأنبياء : 37 ] على أصح التفسيرين . وعلى هذا فيفرق بين كون الإبل في معاطنها ، وبين غيبتها عنها إذ يؤمن نفورها حينئذ .
--> ( 1 ) سبق تخريجه .